من الصبّان إلى «خليجي 27».. كيف صنعت جدة ذاكرتها الكروية؟
تروي جدة قصتها الكروية من ملاعب الحواري وملعب الصبّان إلى استاد الأمير عبدالله الفيصل وملعب الإنماء، قبل أن تستقبل كأس الخليج العربي «خليجي 27» في سبتمبر 2026.

لم تبدأ علاقة جدة بكرة القدم من الملاعب الحديثة أو البطولات الإقليمية، بل من الحارات والمساحات الترابية التي كانت تمنح الأطفال والشباب أول فرصة لمداعبة الكرة وإظهار الموهبة. ومع مرور السنوات، تحولت تلك المساحات إلى جزء من الذاكرة الاجتماعية للمدينة، ومنها انتقل كثير من اللاعبين والجماهير إلى الأندية والمدرجات الكبرى.
وتستعد جدة في سبتمبر 2026 لاستضافة كأس الخليج العربي «خليجي 27» للمرة الأولى في تاريخ البطولة، خلال الفترة من 23 سبتمبر إلى 6 أكتوبر، بمشاركة ثمانية منتخبات وإقامة 15 مباراة على ملعبي الإنماء ومدينة الأمير عبدالله الفيصل الرياضية. وتمنح هذه الاستضافة المدينة فرصة لعرض تاريخها الكروي، لا بوصفها مضيفة للبطولة فقط، بل باعتبارها إحدى المدن التي ارتبط اسمها مبكرًا بتطور كرة القدم السعودية.
الحارة.. البداية التي سبقت الأكاديميات
قبل انتشار الأكاديميات ومراكز التدريب المنظمة، كانت ملاعب الأحياء بمثابة المدرسة الأولى للاعبين. هناك تشكلت المنافسات المحلية، وتعرفت الجماهير إلى المواهب، ووجدت الأندية مساحة واسعة لاكتشاف العناصر القادرة على التطور.
لم تكن مباريات الحواري منفصلة عن المجتمع؛ فالملعب كان نقطة تجمع لأبناء الحي، والمدرج امتدادًا للعائلة والأصدقاء. ولهذا بقيت ذاكرة كرة القدم في جدة مرتبطة بالأحياء بقدر ارتباطها بالأندية والبطولات الرسمية.
ملعب الصبّان.. ذاكرة البدايات
يبرز ملعب الصبّان في حي القريات بوصفه إحدى أقدم المحطات الرياضية في جدة. وتشير المصادر التاريخية إلى أن إنشاءه يعود إلى عام 1370هـ، الموافق لنحو 1950م، على أرض قدمها الأمير عبدالله الفيصل، فيما تولى عبدالرحمن سرور الصبان إنشاء الملعب.
وبحسب الروايات التاريخية المنشورة، بلغت تكلفة إنشائه نحو 80 ألف ريال، واقتربت سعته في تلك المرحلة من 12 ألف متفرج. واستضاف الملعب نهائيات ومباريات مهمة في بدايات كرة القدم السعودية، من بينها نهائي كأس الملك، كما ارتبط اسمه بمراحل مبكرة من المنافسات التي أسست لشعبية اللعبة في المنطقة الغربية.
ولم تقتصر أهمية الصبّان على المباريات الرسمية؛ فقد كان مساحة التقت فيها الجماهير بالكرة السعودية والعربية والعالمية، وهو ما رسخ موقعه في الذاكرة الرياضية لجدة، رغم انتقال النشاط لاحقًا إلى منشآت أكبر.
استاد الأمير عبدالله الفيصل.. اتساع المدرجات وصعود الديربي
مع اتساع مدينة جدة وتطور مسابقات كرة القدم، لم تعد المنشآت القديمة كافية لاستيعاب الحضور الجماهيري. وفي عام 1970 أُنشئ ملعب رعاية الشباب في حي الوزيرية، قبل أن يُعرف لاحقًا باسم استاد الأمير عبدالله الفيصل.
أصبح الملعب واحدًا من أبرز مسارح كرة القدم في المنطقة الغربية، واكتسب مكانة خاصة بسبب احتضانه مواجهات الاتحاد والأهلي. ومع ديربي جدة، تحولت المدرجات إلى جزء أساسي من المشهد؛ فالأهازيج والأعلام والهتافات لم تكن مجرد مظاهر تشجيع، بل عناصر من طقوس اجتماعية انتقلت بين الأجيال.
وفي عام 2001 حمل الملعب اسم استاد الأمير عبدالله الفيصل، ثم أُغلق عام 2012 ضمن مشروع تطوير شامل، قبل أن يعود ضمن منشأة رياضية أكثر حداثة.
ملعب الإنماء.. جدة في عصر البطولات الكبرى
مثلت مدينة الملك عبدالله الرياضية مرحلة جديدة في علاقة جدة بكرة القدم. فقد افتُتحت المدينة عام 2014، وضمت ملعبًا رئيسيًا واسع السعة أصبح من أبرز الملاعب السعودية القادرة على استضافة المباريات والبطولات الكبرى.
وعُرف الملعب جماهيريًا باسم «الجوهرة» أو «الجوهرة المشعة»، فيما يحمل حاليًا اسم ملعب الإنماء. وكانت مباراته الافتتاحية الرسمية نهائي كأس خادم الحرمين الشريفين بين الأهلي والشباب في الأول من مايو 2014، وانتهت بفوز الشباب بثلاثة أهداف دون مقابل.
وبذلك انتقلت جدة من ملاعب محدودة السعة ومدرجات خشبية إلى منشأة تستوعب عشرات الآلاف، من دون أن تنقطع الصلة بين الحاضر وذاكرة الملاعب القديمة.
«خليجي 27».. فصل جديد في ذاكرة المدينة
تصل كأس الخليج العربي إلى جدة للمرة الأولى في نسختها السابعة والعشرين، بمشاركة منتخبات السعودية والعراق وعُمان والكويت في المجموعة الأولى، وقطر والإمارات والبحرين واليمن في المجموعة الثانية.
وتقام مباريات البطولة بين 23 سبتمبر و6 أكتوبر 2026 على ملعب الإنماء ومدينة الأمير عبدالله الفيصل الرياضية. كما تعكس هوية البطولة صلة الحدث بالمدينة، إذ استُلهمت عناصرها البصرية من الرواشين التاريخية في جدة، في محاولة لربط المنافسة الخليجية بعمارة المكان وخصوصيته الثقافية.
كما احتضنت جدة التاريخية مراسم قرعة البطولة، في مشهد جمع بين الرياضة والهوية المحلية. ومن هذه الزاوية، لا تبدو الاستضافة مجرد جدول مباريات، بل امتدادًا لمسار طويل بدأ من ملاعب الحواري، ومرّ عبر الصبّان والديربيات، وانتهى إلى ملاعب تستقبل منتخبات الخليج.
كرة القدم كذاكرة اجتماعية
صنعت جدة ذاكرتها الكروية من تداخل أكثر من عنصر: الحي، والنادي، والمدرج، والملعب، والبطولة. فالمكان لم يكن مجرد أرضية للعب، والجمهور لم يكن مجرد رقم في المدرجات؛ بل كانا جزءًا من قصة المدينة اليومية.
وعندما تنطلق «خليجي 27»، ستظهر جدة أمام جيل جديد بصورة المدينة الحديثة القادرة على تنظيم البطولات الكبرى، لكنها ستحتفظ في الوقت نفسه بذاكرة الصبّان والحارات والديربيات. وبين الماضي والحاضر، تستمر كرة القدم في أداء دور يتجاوز المنافسة، لتبقى واحدة من أهم الطرق التي تتذكر بها جدة نفسها.
المصدر: جريدة الجزيرة
مصادر ومراجع
- من الصبّان إلى «خليجي 27».. كيف صنعت جدة ذاكرتها الكروية؟جريدة الجزيرة
- بطولة كأس الخليج العربي | خليجي 27 في جدةالموقع الرسمي للسياحة السعودية
- بعد مضي نصف قرن على إنشاء الملعب الذي شهد أشهر نهائيات الكرة السعوديةصحيفة الرياضية
- zamanistore.comzamanistore.com
- a6.alriyadh.coma6.alriyadh.com
- al-madina.comal-madina.com
- makkahnews.samakkahnews.sa
- alayyam.infoalayyam.info
- al-jazirah.comal-jazirah.com
- ملعب الصبان التاريخي زهرة جدة الرياضية التي ذبلتجريدة الرياض
- al-jazirah.comal-jazirah.com
- aljazeera.netaljazeera.net




التعليقات (0)
شارك رأيك. سنحفظ تعليقك ونعود بك إليه بعد التسجيل.
كن أول من يعلّق على المقال.